سيد محمد طنطاوي
412
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أن الكبر جهل الإنسان بنفسه ، وإنزالها فوق منزلتها . فالعزة تشبه الكبر من حيث الصورة ، وتختلف من حيث الحقيقة ، كاشتباه التواضع بالضعة ، فالتواضع محمود ، والضعة مذمومة ، والكبر مذموم والعزة محمودة . . « 1 » . هذا ، وإن المتدبر لهذه الآيات الكريمة وفي أسباب نزولها ، ليرى فيها ألوانا من العظات والعبر . يرى فيها التصرف الحكيم من الرسول صلى اللَّه عليه وسلم إذ أنه صلى اللَّه عليه وسلم بمجرد أن بلغته تلك الأقوال التي قالها عبد اللَّه بن أبي ، لكي يثير الفتنة بين المسلمين ، ما كان منه إلا أن أمر عمر ابن الخطاب ، بأن ينادى في الناس بالرحيل . . لكي يشغل الناس عما تفوه به ابن أبي ، حتى لا يقع بينهم ما لا تحمد عقباه . كما يرى كيف أنه صلى اللَّه عليه وسلم عالج تلك الأحداث بحكمة حكيمة فعند ما أشار عليه عمر - رضى اللَّه عنه - بقتل ابن أبي . . ما كان منه صلى اللَّه عليه وسلم إلا أن قال له : يا عمر ، كيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ؟ ! وأبى صلى اللَّه عليه وسلم أن يأمر بقتله بل ترك لعشيرته من الأنصار تأديبه وتوبيخه . ولقد بلغ الحال بابنه عبد اللَّه - رضى اللَّه عنه - وهو أقرب الناس إليه ، أن يمنعه من دخول المدينة حتى يأذن له رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بدخولها . كما يرى المتدبر لهذه الآيات ، والأحداث التي نزلت فيها ، أن النفوس إذا جحدت الحق ، واستولت عليها الأحقاد ، واستحوذ عليها الشيطان . . أبت أن تسلك الطريق المستقيم ، مهما كانت معالمه واضحة أمامها . . فعبد اللَّه بن أبي وجماعته ، وقفوا من الدعوة الإسلامية موقف المحارب لها ولأتباعها ، وسلكوا في إذاعة السوء حول الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وحول أصحابه كل مسلك . . مع أن آيات القرآن الكريم ، كانت تتلى على مسامعهم صباح مساء ، ومع أن إرشادات الرسول صلى اللَّه عليه وسلم كانت تصل إليهم يوما بعد يوم ، ومع أن المؤمنين الصادقين كانوا لا يكفون عن نصحهم ووعظهم . . كما نرى أن الإيمان متى خالطت بشاشته القلوب ، ضحى الإنسان من أجله بكل شيء . . فعبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي بن سلول ، يقول للرسول صلى اللَّه عليه وسلم : يا رسول اللَّه بلغني أنك تريد قتل أبى ، فإن كنت لا بد فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه . .
--> ( 1 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 151 .